فخر الدين الرازي
57
المطالب العالية من العلم الإلهي
المصلحة ، عاد الكلام في تخصيص ذلك الوقت بذلك الغرض . ويلزم التسلسل ، وهو باطل . ولما بطل هذان القسمان ، ثبت : أن القول بحدوث العالم ، لا يتم لنا إلا إذا قلنا : إن الفاعل المختار يفعل الفعل لا لغرض [ ولا لمرجح « 1 » ] أصلا . وإذا ثبت هذا ، فحينئذ يمتنع القطع بأنه تعالى إنما خلق هذا المعجز ، في هذا الوقت لغرض التصديق . الشبهة الرابعة : هب أنه لا بد للّه تعالى في كل فعل من غرض معين ، ومن حكمة معينة ، فما الدليل على أنه لا غرض للّه تعالى من فعل هذا المعجز إلا تصديق هذا المدعي ؟ فإن في الأغراض كثرة . وأقسام حكمة اللّه تعالى في تدبير هذا العالم لا محيط بها أحد البشر . ثم إنا نذكر احتمالات أخرى غير ما ذكرتم : فالاحتمال الأول : إنه لا شك أن هذه الحوادث المعتادة منتهية إلى أول . وإلا لزم القول بحدوث حوادث لا أول لها ، وذلك يوجب قدم العالم [ وقدم العالم « 2 » ] يقدح في إثبات الفاعل المختار ، والقدح في الفاعل المختار يمنع من القول بصحة النبوة . فثبت : أنه لا بد من الاعتراف بوجوب انتهاء هذه الحوادث المعتادة إلى أول ومبدأ . فهذا النوع من الحوادث ابتدأ في ذلك الوقت ، ثم استمر بعده على نسق معلوم . إذا ثبت هذا فنقول : لعل هذا الذي حدث الآن ابتداء عادة ستصير عادة مستمرة ، بعد ذلك . فإن قالوا : لما شاهدنا أن هذا الشيء لم يحدث بعد ذلك ، علمنا أنه ليس حدوثه لأجل أنه ابتداء عادة . قلنا : العادات قد تكون متكررة في أزمنة متقاربة وقد تكون متكررة في أزمنة متباعدة . مثل : إن العادة جارية بحدوث الصيف في كل سنة مرة واحدة ، وبحدوث قران العلويين في كل عشرين سنة مرة واحدة . فلم يلزم من
--> ( 1 ) من ( ط ) ، ( ل ) . ( 2 ) وهو ( ت ، ط ) .